جديد منتديات مجالس العلم
لئلا نخسر رمضان
| المقالات - رمضانيات |
عباد الله، إن لشهر رمضان طعمًا خاصًّا ومذاقًا حلوًا وشعورًا غريبًا وإقبالاً عجيبًا، به أحاديث لا تُمَلّ، وكلام لا يُسْأَم، إنه طعم العبادة ومذاق الطاعة، وشعور المحب وإقبال الطائع، إنها الأحاديث التي تجلو القلوب وتنظفها، والكلام الذي يزيل صدأ النفوس ويطهرها.
في رمضان الصيام وما أدراك ما الصيام؟! إنه حبس النفس على الطاعة وعن المعصية، إنه تضييق مجاري الشيطان لتضعف وسوسته، وحرمان البدن من الملذات والشهوات ليصفو القلب، وتزكو النفس، ويقبل العبد على الطاعات، وينشط في العبادات.
وفي رمضان القيام في صلاة التراويح، وما أدراك ما صلاة التراويح؟! سنة محمد التي فعلها وأحبها، ولم يتركها إلا رحمة بأمته أن تُفْرَض عليهم، فجاء الفاروق من بعده وأحياها، أحيا الله ذكره وأعظم أجره، إنها اجتماع المسلمين لمناجاة ربهم وتلاوة كتابه ورفع حاجاتهم إليه.
وفي رمضان تفطير الصائمين، وما أدراك ما هو؟! إنه طريق الأجور المضاعفة وسبيل الحسنات المتكاثرة، إنه الشعور بوحدة الجسد وأخوة الدين.
في رمضان إطعام الطعام وإفشاء السلام وصلة الأرحام والصلاة بالليل والناس نيام. في رمضان الاعتكاف والاجتهاد في الطاعات والمسابقة إلى الدرجات. في رمضان عمرة تعدل حجة وليلة خير من ألف شهر. في رمضان قراءة القرآن وذكر الرحمن، عبادات متنوعة وطاعات مختلفة.
رمضان واحة فَيْحَاء يتفيّأ المسافر ظلالها ويقطف من ثمارها، رمضان روضة غَنّاء تنوع زهرها وفاح عبيرها، لكن تلك الفضائل الكريمة والخصائص العظيمة لا يشعر بها وينتبه لها إلا المحبون الراغبون الذين يعرفون أي شيء هو شهر رمضان، ولا يجدها ويحسّها إلا المشمّرون السابقون الذين يقدرون هذا الشهر حق قدره ويعرفون ما فيه من الخير العظيم، إنهم أولئك الذين صاموا وقاموا إيمانًا واحتسابًا، وتصدّقوا وبذلوا طلبًا للأجر المضاعف، وفطّروا الصائمين رغبة في الثواب، ثم هم بعد ذلك ينثرون العَبَرات ويطلقون الزَّفَرات ويرفعون إلى مولاهم الدعوات الصادقات، لعلهم أن يكونوا ممن يمتن الله عليهم بصيامه وقيامه وقيام ليلة القدر، وأن يكونوا من عتقاء الله في هذا الشهر المبارك من النار، وما ذلك إلا لأنهم وضعوا نصب أعينهم وأمام نواظرهم قوله عليه الصلاة والسلام: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه" (متفق عليه)، وقوله عليه السلام: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه" (متفق عليه)، وقوله عليه السلام: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه" (متفق عليه).
أيها المسلمون، ومع كل هذا فإن هناك من يفرّط في رمضان ويخسر فضله، هناك من يُحرَم من أجره، لأنه لا يعرف قدره، ما عرف منه إلا الجوع والعطش، سَهَرٌ بالليل على غير طاعة، ونَوْم بالنهار عن ذكر الله وعن الجماعة، حاله حال من قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : "رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر" (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، فأي حرمان بعد هذا الحرمان؟! وأي خسران أكبر من هذا الخسران؟!.
عباد الله، إن رمضان شهر واحد سريع المرور، وموسم قصير خاطف العبور، بينما الناس يتباشرون بدخوله وإدراكهم إياه وإذا هم يخلطون فرحة العيد بالبكاء على فقده ورحيله عنهم، وانظروا ـ رحمكم الله ـ واعتبروا كيف صمنا منه أحد عشر يومًا ونحن في الثاني عشر، وكأنما هي إحدى عشرة ساعة أو اثنتي عشرة، ذهب الظمأ والجوع والتعب، وخلفنا الجهد وراءنا والنصب، وبقي الأجر والثواب، وعظمت اللذة لمن أجاد وأحسن، وسُجّل الذنب واشتدت الحسرة على من قَصَّر وأساء.
وإذا كان الأمر كذلك ـ أيها المسلمون ـ فلماذا نخسر رمضان؟! لماذا يمر علينا ولا نتزود منه بالتقوى؟! لماذا يدخل ويخرج وكأن شيئًا لم يحدث؟! ألم نعلم فضائله ونعرف مزاياه؟! ألم نعلم أنه شهر التوبة والمغفرة ومحو السيئات؟! ألم نعلم أنه شهر العتق من النيران وموسم الخيرات؟! ألم نعلم أن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار؟! ألم نعلم أن فيه ليلة هي خير من ألف شهر من حُرِم خيرها فقد حُرِم؟! فما بالنا ترغم منا الأنوف ونخسر ولا نستفيد؟! ما بالنا نُصِرّ على الإضاعة والتقصير والتفريط؟! إن لذلك أسبابًا نحن الذين تعلقنا بها وأخذنا بعُقَدِها، حين اتخذنا الشيطان وأعوانه أولياء، وغفلنا عن أسباب الربح والرحمة، فحُقَّ على الخاسر منا قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء:119].
إن كثيرًا من الخاسرين ـ أيها الإخوة ـ إنما خسروا لأنهم غفلوا عن النية الصالحة، ولم يحتسبوا الأجر، صاموا وقاموا تقليدًا للناس ومجاراة للآخرين، تركوا الطعام والشراب وبعض الملذات، ولكنهم لم يبتعدوا عن المعاصي والشهوات، رمضان عليهم كالضيف الثقيل عند من لا يحبه، ساعته أطول الساعات، ولحظته أبطأ اللحظات.
في الخاسرين من أهمل الصلوات الخمس ولم يأبه بها، وفيهم من أخّرها عن وقتها وتباطأ في أدائها، وفيهم من صلى بكسل وخمول، وهذا من أعظم أسباب خسارة رمضان، فمن لم يحرص على الفرائض ولم يقم بالواجبات فكيف يُرجَى منه التزود بالنوافل والمستحبات؟! بل كيف يُرْجَى منه استغلال رمضان والفوز فيه؟! إن مثل هذا حري أن لا يُقبل صيامه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن أسباب الخسارة في رمضان السهر على غير ما يرضي الله، وهو مكروه في نفسه إذا كان على مباح، فكيف بمن سهر على حرام؟! في قيل وقال وسهرات ومحادثات، أو لعب ورق وكرة وتتبع قنوات، أو مشاهدة أفلام ومتابعة مسلسلات وتمثيليات. والسهر الطويل بهذه الصورة ـ أيها الصائمون ـ مدعاة لكثرة النوم في النهار، وسبب للخمول والكسل عن ذكر الله وعن الصلاة وقراءة القرآن، ولو نام العبد في الليل ساعات لجلس بعد صلاة الفجر يذكر الله ويقرأ القرآن، أو لأصبح على الأقل طوال نهاره طيب النفس نشيط الجسم، وإن الفكرة السائدة لدى الناس في هذه الأزمنة المتأخرة عن رمضان حيث يجعلون ليله سهرًا ونهاره نومًا، إنها فكرة شيطانية إبليسية، أوحى بها عدونا إلى أوليائه وخاصة من أهل الإعلام، فشغلوا الناس بسهرات ومسرحيات ومسابقات ولقاءات وأغاني ماجنة وأصوات مزامير، فحرموهم لذة الشهر المبارك، وأفسدوا عليهم روحانيته، وأفقدوهم بركة أوقاتهم وأعمارهم، ولذا فإن لزامًا على من يرجو الربح ويأمل النجاة أن يعود إلى رشده ويرجع إلى سنة ربه، حيث جعل الليل لباسًا والنهار معاشًا، فإن ذلك من أعظم أسباب الفوز والفلاح.
ومن أسباب الخسارة كثرة الأكل والشرب في ليالي رمضان، فإنه: "ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن" (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، ومن أكل كثيرًا شرب كثيرًا ونام كثيرًا وخسر كثيرًا.
ومن أسباب الخسارة في هذا الشهر المبارك وفي غيره من فرص الخير ومواسم العبادة التسويف ذلكم المرض العضال والداء الوبيل الذي قطع أعمارنا وأذهب بركة أوقاتنا ولحقنا حتى في أفضل الأيام والشهور، نسوّف ونؤخّر ونؤجّل ونحن نعلم أننا قد لا ندرك رمضان مرة أخرى، بل نسوّف ونؤخّر ونؤجّل ونحن لا نعلم هل ندرك بقية الشهر أم يحال بيننا وبين ذلك، نسوّف ونؤخّر ونؤجّل ونتباطأ ونحن نعلم أن رمضان شهر الرحمة والمغفرة والتوبة والعتق من النار، يريد أحدنا أن يقرأ بعد صلاة الفجر جزءًا من القرآن، فيترك ذلك لأنه مرهق من السهر، ثم يريد ذلك بعد الظهر فيمنعه الإرهاق بسبب العمل، ثم بعد العصر فيمنعه التسوق وشراء حاجات أهله، وفي الليل يسهر مع الأقارب أو يجلس مع الرفاق، وهكذا ينسلخ رمضان وهو لم يختم ولو مرة واحدة. فيا معشر الصائمين، الجدَّ الجدَّ والتشمير، وإياكم والتسويف والتأجيل والتأخير: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} [البقرة:93].
ومن أسباب الخسارة في رمضان منذ سنوات المسلسل المسمى بـ"طاش ما طاش"، وهو مسلسل لا يخفى على الغيور ما عرِض فيه ويعرض إلى الوقت الحالي، مما قرح أكباد الغيورين، وضاقت به صدورهم، وأقض مضاجع أهل الدين، وطال له ليلهم، من استهزاء بالشرائع المحكمة، وسخرية بالسنن النبوية المتبعة، وتنقص للمبادئ الإسلامية العظيمة، ومحاولات لتقليل قدر الأحكام الشرعية في قلوب المسلمين. وقد صدر من اللجنة الدائمة للإفتاء بيان حول هذا المسلسل الخبيث منذ أكثر من سنتين، بين فيه علماؤنا حرمة مشاهدته والجلوس لمتابعته، ووضح بعد ذلك خطباء وتكلم علماء، ونبه ناصحون وحذر مشفقون مما يعرض في هذا المسلسل، ومع كل ذلك ألقى أصحابه كل هذه الفتاوى وراءهم ظهريًا، ولم يزدادوا إلا خبثًا وتبجّحًا واستهزاء بشعائر الله وتنقّصًا، وظل عوام الناس والرعاع والمغفّلون يجلسون بعد مغرب كل يوم من أيام رمضان المباركة؛ ليبدّدوا ما جمعوه من حسنات في نهارهم وشفق الشمس لم يغب، يتسمرون أمام هذا المسلسل ويضحكون، ويطعنون في قلوبهم وهم لا يشعرون، وتنتهك حرمات الله، وتحقر شعائره وهم راضون. إن هؤلاء الفجرة الفسقة المغرضين لم تتحمل أعينهم نور الإسلام فعميت، ولم تثبت أبصارهم أمام شعاع الإيمان فعشيت، فصاروا خفافيش ظلام، يعملون في الخفاء لإطفاء نور الله، ثم لما لم يجدوا من ينتبه لهم ويردعهم لبسوا جلود النعاج على قلوب الذئاب، وجعلوا شعارهم إضحاك المشاهدين وإمتاعهم، والواقع يدل على أنهم تدثروا بالفسق والنفاق والشر، ولم يبق إلا أن يخرجوا غدًا فيعلنوا الكفر البواح من غير حياء ولا وجل. إن أمر هذا المسلسل ـ أيها المسلمون ـ لم يعد خافيًا على كل ذي عين ولب، وما الشر الذي ينشر فيه بسرٍّ فيُكتم، وما حال أصحابه بخاف فيطوى، بل لقد غدا من المجاهرة التي نخشى على أنفسنا بسببها من العقوبة ورفع العافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إنه لا يسعنا ـ أيها الإخوة ـ السكوت عن هذا المنكر العظيم، بل لا بد لنا من الإنكار كلّ على قدر استطاعته، وإننا لنذكّركم ـ أيها الآباء والأولياء ـ بعظم المسؤولية الملقاة على عواتقكم، محذّرين من مغبة ترك أجهزة اللهو والباطل في بيوتكم بين نسائكم وأبنائكم وبناتكم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].
ومن أسباب الخسارة في رمضان وفي غيره ـ أيها المسلمون ـ امتلاء القلوب بالغل والحقد والحسد، وابتعاد كثيرين عن الصفح والعفو والتسامح، كم من الناس ممن لم يزالوا في هذا الشهر الكريم متشاحنين، وكم من الصائمين ممن ظلوا متقاطعين متهاجرين، يعملون ويعملون، ويرجون ويَأمَلون، ولكنهم بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم محرومون، قال : "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقول : أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا " (أخرجه مسلم والترمذي). أفلم يَأْنِ للقلوب المتنافرة أن تتقارب وتتآلف؟! ألم يَأْنِ للأيدي أن تتصافح وتتماسك؟! إلى متى والقلوب تعاند الفطرة السوية؟! إلى متى والكبر يوقد ضرامها ويشعل فتيلها؟! أما نجح رمضان في أن يعيد البسمة لوجوه طال عبوسها؟! أما نجح رمضان في أن يكسر نفوسًا طال تكبرها وتجبرها؟! أما آن للشفاه المطبقة أن تنفرج؟! أما آن للقلوب المغلقة أن تنفتح؟! إن قلوبًا لم تفلح المواعظ في إعادتها للحق فإن لفح جهنم هو القادر على أن يكسر مكابرتها ويرغم أنف باطلها، إن نفوسًا لم تنكسر في رمضان وتخشع لذكر الله حريَّة أن يخسر أصحابها يوم تبيض وجوه وتسود وجوه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16].
أيها المسلمون المتهاجرون، كيف ترجون الفلاح وقد سددتم طريقه؟! كيف ترجون الأجر وقد أوصدتم أبوابه؟! كيف تأملون القبول وقد غلظتم حجابه؟! كيف تطلبون أن تستلذ قلوبكم بصيام أو قيام أو ذكر وقراءة قرآن وأنتم قد أفسدتموها بالتحاسد وملأتموها بالتباغض؟! إن قلوبًا مُلِئت بهذه الأمراض الفتّاكة حرية أن لا يبقى فيها مكان للذة، وإن قومًا ولجت بيوتهم اللعنة حريون أن لا يجدوا طعم الراحة، قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:22، 23].
أيها المتهاجرون، لقد سئل رسول الرحمة والهدى صلى الله عليه وسلم: "أي الناس أفضل؟ قال: كل مَخْمُوم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مَخْمُوم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" (رواه ابن ماجه وصححه الألباني). فطهّروا قلوبكم تفلحوا، وتصالحوا مع إخوانكم تؤجروا، ولا تؤجّلوا وتسوّفوا فتخسروا، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

| < السابق | التالي > |
|---|









