جديد منتديات مجالس العلم
القول الحفي في مسائل الوأد الخفي
| المقالات - الأسرة والمرأة والطفل |
هذه بعض التقييدات الفقهية في مسألة العزل وهي مما عمت بها البلوى واحتاج الناس إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، فأقول وبالله التوفيق:
الوقفة الأولى: معناه
قال الحافظ: العزل: النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج.
قال القاضي عياض: العزل: أن يعزل الرجل الماء عن رحم المرأة إذا جامعها حذر الحمل.
الوقفة الثانية: مشروعيته
عن جابر قال: كنا نعزل والقرآن ينزل. رواه مسلم
وعنده: فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا.
هذا دليل على اطلاعه وإقراره صلى الله عليه وسلم، وهو صريح في إباحته.
قال الصنعاني في السبل(1/150): أراد جابر بالقرآن ما يقرأ أعم من المتعبد بتلاوته، أو غيره مما يوحي إليه، فكأنه يقول : فعلنا في زمن التشريع ولو كان حراماً لم نقر عليه.
قال ابن العربي في القبس عن العزل: اجتمعت الأمة على جوازه.
قلت: أما مطلقا فلا، فهناك من كرهه.
وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما يلحقه عزل. اهـ
قلت: وافقه ابن هبيرة وحكاية الإجماع فيها نظر، ولكنه مذهب الأئمة الأربعة. انظر العدة(4/179) وطرح التثريب(6/1771)
الوقفة الثالثة: حكمه
يجوز العزل للحاجة، والأصل كراهيته، وقد دل على ذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
منها:
حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر له" رواه مسلم
وعنه أيضا: قال: كنا نعزل والقرآن ينزل. رواه مسلم
قلت: دل الحديثان على إباحة العزل.
وعن جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس وهو يقول:
لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا.ثم سألوه عن العزل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوأد الخفي. رواه مسلم
قال القرطبي في المفهم(4/166): والذي حركهم للسؤال عنه:
أنهم خافوا أن يكون محرما، لأنه قطع للنسل، ولذلك أطلق عليه: الوأد الخفي.
قلت: الحديث دليل على كراهية العزل، فلو لم يكن كذلك لما شبهه بالوأد الخفي."فإنه وإن لم يمنع الحمل بالكلية كترك الوطء فهو مؤثر في تقليله".
ومما يقوي هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة. رواه أبو داود بسند صحيح
فالعازل مخالف لرغبة النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل المكاثرة والتناسل.
فمذهب الكراهة أقوى لهذه الأسباب:
أولا: قطع النسل، وهذا يخالف مقصد النكاح.
ثانيا: إدخال الضرر على المرأة.
ثالثا: حق المرأة في الولد.
رابعا: تفويت لذة المرأة أو تمامها.
وهناك من حمل المنع على الزوجة الحرة إذا لم تأذن. والإباحة على الأمة والزوجة إذا أذنت.
الوقفة الرابعة: حقيقته
العزل لا يمنع انعقاد الولد ولا تركه يوجب الولادة. الاستقامة(1/150)
لذا قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: "ما من كل الماء يكون الولد وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" رواه مسلم
قال النووي: أي يحصل، فكم من صب لا يحصل منه الولد، ومن عزل محدث له.
قال بعضهم: ما لي ولد إلا من العزل. الزاد(5/128)
فالولد لا بد له من وطء، فمن اعتقد وجوده بغيره فهو أحمق. قال شيخ الإسلام: فان عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا شاء الله، إذ قد يسبق الماء بغير اختياره.
وقال أيضا مقررا قاعدة جليلة: وهذا مع أن الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الإنسان من غير أبوين كما خلق آدم ومن خلقه من أب فقط كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه من أم فقط كما خلق المسيح بن مريم عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب أخرى غير معتادة.اهـ
فالله تعالى جعل الوطء سبب الولد، وهذا هو الممكن شرعا، وإن كان غيره لا يستحيل في حق الله تعالى، لكن هذا ما أجراه الله في سننه.
الوقفة الخامسة: تشبيهه بالوأد الخفي
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: ذلك الوأد الخفي. رواه مسلم
الوأد ضربان :
خفي و ظاهر.
وهذا الأخير هو معنى قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (التكوير:8)
قال ابن الأثير في النهاية(5/304): كان إذا وُلِدَ لأحَدِهم في الجاهلية بنتٌ دفَنَها في التراب وهي حَيَّة . يقال : وأَدَها يئِدُهَا وأْداً فهي مَوْءُودة . وهي التي ذكرها اللَّه تعالى في كتابه.
وقال القرطبي: الموءودة المقتولة. وهي الجارية تدفن وهي حية. سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيؤودها أي يثقلها حتى تموت.اهـ
فالوائد الظاهر قاصد للفعل مباشر له، بخلاف الخفي فقد اجتمع معه في القصد دون الفعل.
لكن الشرع أجرى قصده ونيته وحرصه على ذلك مجرى من أعدم الولد بوأده، لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل. انظر تهذيب السنن(6/151)
وقيل: الوأد يرفع الموجود(أي: الحي) والنسل، والعزل يمنع أصل النسل فتشابها إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا.
قلت: الشبه من جهة قطع النسل، وتفويت الحياة أو هربا من الولد، ولكن ليس له حكمه فلا يرتب عليه، فالغرض التشبيه لا بيان الحكم. ونظيره الرياء مع الشرك.
الوقفة السادسة: أسباب العزل
عن أبي سعيد الخدري قال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل عن نساء أصبناهن. فقال: افعلوا ما بدا لكم فإن الله يقضي ما أحب وإن كرهتم. صحيح بشواهده انظر ظلال الجنة(1/164)
دل الحديث على كراهية الحمل، وإرادة الشهوة.
وعن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولاده. رواه مسلم
ومعنى الغيلة: أن يجامع امرأته وهي مرضع.
قال أهل العلم: سبب همه صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع.
وعن أبي سعيد الخدري قال: ذكر العزل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وما ذاكم ؟ قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع، فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه. والرجل تكون له الأمة فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه. قال: فلا عليكم ألا تفعلوا ذا كم فإنما هو القدر. رواه مسلم
قال الحافظ في الفتح(9/307): والفرار من حصول الولد يكون لأسباب منها خشية علوق الزوجة الأمة لئلا يصير الولد رقيقا، أو خشية دخول الضرر على الولد المرضع إذا كانت الموطوءة ترضعه، أو فرارا من كثرة العيال إذا كان الرجل مقلا، فيرغب عن قلة الولد لئلا يتضرر بتحصيل الكسب.
الوقفة السابعة: آثاره
عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ولم يفعل ذلك أحدكم ؟! ( ولم يقل فلا يفعل ذلك أحدكم ) فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها. رواه البخاري ومسلم
في الحديث إشارة إلى إلحاق الولد وإن وقع العزل.
قال الحافظ في الفتح(9/307):إن الله إن كان قدر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء ولا يشعر العازل فيحصل العلوق ويلحقه الولد.اهـ
ومثله حديث جابر أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال: اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها. رواه مسلم
قال القاضي عياض في الإكمال(4/617): فيه دلالة على إلحاق الولد مع العزل في الإماء والحرائر، وذلك لأن الماء يتفلت. ولم يختلف عندنا في لحاقه مع العزل إذا كان الوطء في الفرج.
ومثله حديث أبي سعيد الخدري سمعه يقول سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل ؟ فقال: ما من كل الماء يكون الولد وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء. رواه مسلم
قال القرطبي في المفهم(4/169): يعني أنه ينعقد الولد في الرحم من جزء من الماء لا يشعر العازل بخروجه، فيظن أنه قد عزل كل الماء، وهو إنما عزل بعضه، فيخلق الله الولد من ذلك الجزء اللطيف الذي بادر بالخروج.
الوقفة الثامنة: العزل الطبي
وهو دفع الحمل بالموانع الطبية، والأصل فيه المنع.
وهو عزل ضرورة، والقاعدة فيه حديث أبي سعيد الخدري :"لا ضرر ولا ضرار" انظر السلسلة الصحيحة(1/498)
فالضرر يزال لكن لا يجوز استخدام هذه الموانع إلا بشروط:
أولا: حصول الضرر أو الموت، كمن تلد بعملية جراحية ونحو ذلك.
ثانيا: دفع مشقة الولادة وتوابعها قبل فطام الطفل الأول.
ثالثا: ألا يكون العزل للتأبيد إذا اندفعت الحاجة أو الضرورة.
رابعا: ألا يترتب على العازل الطبي خطر كبير، فيحرم ذلك العازل مطلقا.
وليعلم أن بعض النساء يقمن بإجراء عملية منع الحمل أو ما يسمى بربط الأنابيب مع وجود سبل أخرى مؤقتة لمنعه تفي بالغرض، فلا يجوز في هذه الحالة إجراؤها إلا مع تحقق الضرر البالغ من ثقات مسلمين أهل اختصاص في الطب. والله أجل وأعلم.

| < السابق | التالي > |
|---|









