صفحة 1 من 2
الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان؛ لأن به يعلم الإنسان ضوابط علاقته مع المسلمين والكافرين، ومما يحتِّم وجود هذا الأمر الآن ما نراه من دعواتٍ تسارع في إرضاء الكفار وموالاتهم، في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى الحذر منهم ومن أفكارهم التي هدَّمت المجتمعات، فيجب على المسلم أن يوالي الله ورسوله وعباد الله المؤمنين، وأن يتبرأ من الكفر والكافرين، وأن يحذر من الوقوع في أي مظهر من مظاهر الولاء والنصرة لهم.
الولاء والبراء وأهميته:
الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فلما كان حب الله سبحانه وتعالى هو أصل هذا الدين، وأصل تحقيق العبودية له عز وجل، مع الخضوع والذل له، ولما كان حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أصل متابعته والتصديق به، فإن تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله لا يحصل إلا بذلك، فكان بيان هذه المسألة ولوازمها والحذر مما يضادها من أوجب الواجبات، وذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يكتف من عباده بأن يعبدوه حتى يتبرءوا من كل ما يعبد من دونه، قال عز وجل: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم}ٌ [البقرة:256]،
وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف:26-28]، وقال ابن عباس رضي الله عنه وغير واحد في تفسير هذه الكلمة الباقية: هي كلمة (لا إله إلا الله)، جعلها الله كلمة باقية في نسل إبراهيم، فلا يزال في نسله من يقولها، فجعل هذا الموالاة لله والبراءة مما يعبد من دونه هي كلمة: (لا إله إلا الله). فلا يصح إسلام وإيمان عبد حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا نعلم أن بغض من يعبد غير الله سبحانه وتعالى هو أصل من أصول الإيمان، ولا يتم إيمان العبد حتى يحصل ذلك.
الولاء الواجب:
إن من أخص معاني الولاء والبراء: الحب في الله والبغض فيه، وهنا نجد أن أنواع الولاء والبراء هي: الولاء الواجب، والبراء الواجب، والولاء المحرم، والبراء المحرم. والولاء الواجب: هو الحب الواجب الذي لا يتم الإيمان إلا بوجوده، ولو كان ضعيفاً فلا بد من وجود أصله؛ فإذا زال أصل الحب لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم زال أصل الإيمان، وإذا نقص نقص الإيمان، وإذا اكتمل اكتمل الإيمان. فالحب الواجب هو حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب المؤمنين، وحب الإيمان والعمل الصالح، وحب من أطاع الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" [اخرجه البرخاري]. تضمن هذا الحديث: الحب الواجب، والبراء الواجب، وهو كراهية الكفر، وكراهية من يعبد غير الله سبحانه وتعالى تابعة لذلك. وقد أوجب الله عز وجل حب الإيمان، قال عز وجل: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات:7-8]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" [أخرجه البخاري]. فقد تضمن هذا الحديث الولاء الواجب، وتضمن البراء المحرم الذي هو بغض من آمن بالله عز وجل، فإن من تبرأ ممن نصر الدين فإنه يبغض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن يبغض شيئاً من الدين فهذا والعياذ بالله من علامات الكفر والنفاق، كما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن من نواقض الإسلام: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به. إن المؤمن لا يتم إيمانه ولا يذوق حلاوة الإيمان حتى يكون الكفر عنده بمنزلة الإلقاء في النار، قال صلى الله عليه وسلم: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". ولذلك نقول: إذا عَرضْتَ هذه النصوص القرآنية على ما يُدعى إليه الناس من التحاب في الإنسانية كلها، دون نظر إلى دين أو طاعة أو معصية، وأن الدين لا يفسد للود قضية، وأن الإنسان ينبغي أن يحب كل من ينتسب إلى الإنسانية، مع كون أصحاب هذه الدعوة لا يطبقونها، بل هم أعداء الإنسانية في الحقيقة، وإنما يعرفون حقوق الإنسان الذي هو من جنسهم، أما غيرهم فكأنهم لا يرونهم من البشر، بل يرونهم من الكلاب، كما نسمع هؤلاء الكفرة المجرمين، ومنهم ذلك الرجل المجرم الذي يعبر عن كراهته للإسلام وللمسلمين، ذلك اليهودي الكافر الذي صار عندهم من المقدمين، حتى صار مرشحاً لرئاسة وزرائهم، وهذا الخبيث يقول: إني أشعر بسعادة بالغة عندما أرى دم فلسطينيٍ أو عربيٍ أو مسلمٍ يراق، وذلك أن هؤلاء الكلاب ليس لهم عندنا إلا ذلك، يقصد المسلمين. وبعد ذلك يقال: إننا لا بد أن نعاملهم بالحسنى، وأن نعاملهم بالاحترام والتوقير، ولا بأس أن نقدمهم في المجالس ونحو ذلك!! وقول هذا الخبيث يدل على مدى الكراهية والبغضاء التي تستوجب منا مزيداً من الكراهية، والله عز وجل قد حذر المؤمنين من اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء، وذكر السبب وهو أنهم كفروا، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة:1]، فكيف إذا انضاف إلى ذلك مزيد من الظلم والعدوان، بأن أخرجوا المؤمنين من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، وآذوا المسلمين لأنهم شهدوا أن لا إلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإذا كان الإنسان ملتزماً عندهم بشيء من شعائر الدين فله من الأذى والتعذيب أضعافاً مضاعفة عمن لم يلتزم بذلك، فهذا يستوجب مزيداً من العداوة لا مزيداً من التقرب والموالاة والمتابعة، قال الله عز وجل: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل}ِ [الممتحنة:1]. هذا التحذير في الآية، مع أن ما فعله حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه كان إسراراً بالمودة من غير حقيقة وجودها، ولم يكن تصريحاً بالود، وإنما كان في صورة نصيحة، وذلك عندما راسل المشركين ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما راسلهم بما يفت في عضدهم في الحقيقة، حيث قال: إن محمداً قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فانظروا في أمركم. وما فعل ذلك إلا مصانعة لهم على أهله وماله، فإذا كان من فعل ذلك من أجل حماية الأهل والمال فقد ضل سواء السبيل، فكيف بمن يحبهم ويتولاهم ولا يبغضهم؟! فهذا الحب والعياذ بالله لما هم عليه يعتبر من الكفر فضلاً عن أن يكون حباً من أجل الكفر، فهذا والعياذ بالله ينافي الإيمان بالله واليوم الآخر. إذاً: فالولاء الواجب هو حب الله، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حب المؤمنين لأنهم أطاعوا الله، ولا يكون الحب في الله إلا مع استحضار طاعة الله عز وجل، ومتابعة شرعه في النفس، فلا يحبه لأجل موافقة الطباع، ولا لأنه يحسن إليه في المعاملة، بل يستحضر طاعته لله عز وجل وانقياده لشرع الله، وحبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيحبه من أجل ذلك، وهذا الحب لا ينقص مع التباعد والاغتراب، بل ربما ظل الحب كما كان قبل ذلك، مع تباعد الأقطار، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله: " ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" [متفق عليه]. فلم تفرقهم الدنيا بل ظل الحب باقياً، ولم تؤثر فيه تلك المباعدة التي قدرها الله عز وجل عليهم، ومن هنا كان حب المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنبياء الله عز وجل قبله، ولأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب الأنبياء حاصل رغم تباعد الأزمنة ذلك البعد الطويل. فإذا سمع الإنسان قصصهم ورأى صفاتهم تتلى عليه في كتاب الله سبحانه وتعالى أحبهم، ولا بد من أن يحبهم إن كان في قلبه الإيمان، فهذا هو الحب الواجب أو الولاء الواجب.
الولاء المحرم:
أما الولاء المحرم فهو حب الكافرين على كفرهم، أو من أجل كفرهم، كأن يقول: إن كفرهم لا يضر، أو أمر دينهم لا يعنيني واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية. فمن يرى أن اختلاف الدين وأن عبادة غير الله سبحانه وتعالى لا تفسد للود قضية، أهذا يمكن أن يكون محباً لله عز وجل؟! أهذا يمكن أن يكون قد آمن بقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة:51-52]؟! إن العذر الذي يتعللون به أنهم يخشون الدائرة؛ يخشون أن تنزل هزيمة بالمسلمين، فتراهم يصانعون المشركين والكافرين من اليهود والنصارى، وهكذا كان يفعل المنافقون: {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}، قال الله عز وجل: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُم}ْ [المائدة:52-53]. إن هذا أمر عجيب يتعجب منه المؤمنون، يقولون: أيمكن أن يكون هؤلاء منكم وهم في نفس الوقت يسارعون في اليهود والنصارى؟! قال عز وجل: { حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة:53]، فموالاة الكفار موجبة لحبوط العمل وموجبة للخسران في الدنيا والآخرة، وجالبة للردة، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:54-56]. إن شروط العضوية في حزب الله هي كالآتي: أن يكون الإنسان مؤمناً، مقيماً للصلاة، مؤدياً للزكاة، يركع ويخضع لله عز وجل، لا ينحني لسواه. أرأيتم حزباً من أحزاب أهل الأرض اليوم يشترط في شروط عضويته تلك الشروط؟! بل يحرم عند القوم أن يقوم الحزب على أساس من الدين. إذاً: لا بد أن يقوم حزب الله على الدين؛ حتى ينال النصر والتمكين والغلبة، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56] وإن ظن الناس أنهم قلة، وأنهم أذلة، وأنهم مهزومون الآن، لكن عاقبة الأمر لهم. ومن الولاء المحرم: محبة الكافرين لأنهم فصلوا الدين عن الحياة، كم من يقول: إنهم إنما تقدموا عندما أخروا الدين وتركوا هذه الخزعبلات، أو يحبهم لأنهم حاربوا الدين، كمن يحب ماركس و لينين مثلاً من الشيوعيين الذين يعتقدون أن الدين أفيون الشعوب، لا أنهم لم يطبقوا الدين في نظم الحياة، وأنهم جعلوا الدين مسألة شخصية، فهو يرى أن الفصل بين الدين والحياة هو المطلوب، وأن ذلك هو الواجب، وكمن يحب من يمنع من إقامة الحدود وغيرها بزعم أنها وحشية وتخلف ورجعية، فهذا لا يحبهم رغم كفرهم، بل يحبهم من أجل كفرهم، وهذا أشد والعياذ بالله ممن يحبهم رغم كفرهم. بل قد تجد أناساً كثيرين يحبون الكفرة لأنهم يؤذون المسلمين ويحاربونهم، فهذا شر أنواع الكفر.
أمور لا تعد موالاة للكفار:
أما المحبة الطبيعية التي قد توجد في الإنسان لقرابته ومن يعاشرهم، كمن يتزوج مثلاً امرأة كتابية يهودية أو نصرانية، فقد دلت أدلة القرآن والسنة على جواز ذلك، لكن لا بد أن يبغضها لدينها، فإن كان يحب عشرتها، أو شكلها أو نحو ذلك، فليحول حبه الطبيعي ذلك إلى حبه لإسلامها وهدايتها. ومثل ذلك في الأب والأم وغيرهما، يحسن إليهما لعلهما أن يهتديا، مع لزوم البغض على الدين إلى أن يؤمنا، وإذا مات أبوه كافراً تبرأ منه كما تبرأ إبراهيم من أبيه، قال تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيم}ٌ [التوبة:114] أي: لما مات على الكفر وتبين عداوته لله عز وجل تبرأ منه، ولذا لم يأذن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لأمه، ولم يأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في أن يستمر في الاستغفار لعمه، بل قد استغفر له فلم يقبل استغفاره، مع أنه كان يحوطه ويحميه، ولكن كما قال عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:113]. وهذا الحب الطبيعي يلزم معه وجود البغضاء على الدين، وإن أحسن عشرته، فهناك فرق بين الإحسان والبر والقسط والعدل، وبين الموالاة والمحبة، كما قال عز وجل: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:8-9]. قال الإمام الشافعي رحمه الله في هاتين الآيتين: "فكان ما أمروا به من البر والإقساط غير ما نهوا عنه من المحبة والموالاة". إننا نحسن إلى من لم يحاربنا في الدين، ونعدل مع كل الخلق، حتى إننا نعدل مع من حاربنا ولا نظلمه، وإن قاتلناه وحاربناه، حتى في قتله نحسن القتلة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" [رواه مسلم]. إذاً: هناك فرق كبير بين أن نحسن معاملة من نريد دعوته إلى الإسلام، وبين المحبة والموالاة التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها؛ لأنه ليس كل من نحسن معاملته نكون محبين له. إن البر والإحسان إلى الكافر أو العاصي هو أن تطعمه إذا جاع، وتكسوه إذا عري، وتمرِّضه إذا مرض وتعوده، فهذا مما لا بأس به إذا كان يعود عليه بالنفع، وذلك بدعوته إلى الإسلام، أو كف شره عن المسلمين أو نحو ذلك. وكذلك يجب التعامل معه بالعدل، كأن تبيع منه وتشتري، وتفي له بالعقد، وأن تعمل معه في إجارة أو في شركة أو مضاربة، فإن هذا لا يستلزم موالاة، ولا محبة، وإن كان الأولى أن تعامل المسلم وأن تنفعه، لكن حسب المصلحة، فلقد باع النبي صلى الله عليه وسلم واشترى من المشركين من أهل الحرب ومن أهل العهد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقر أصحابه على البيع والشراء والسفر إلى بلاد الكفار للتجارة، ويقر مجيء الكفار إلى بلاد المسلمين للبيع والشراء، وذلك عندما جاء نبطي من أنباط الشام يبيع الطعام في المدينة، فلم تكن الموالاة في البيع والشراء، كما يحاول بعض الجهلة أن يوهموا المسلمين أن مجرد البيع والشراء موالاة للكفار.
حكم المقاطعة التجارية:
إن البيع والشراء مصلحة، والإجارة والاستئجار مصلحة، ويمكننا أن نقاطع البيع والشراء، ويمكننا أن نبيع ونشتري، فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمرين، وهذا حسب المصلحة، فإن ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنه كان قد أسرته خيل المسلمين مشركاً قبل إسلامه، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فربطه في المسجد؛ ليغير وجهة نظره عن الإسلام، بصحبة المسلمين ورؤيتهم في أثناء عبادتهم، وقد كان أبغض شيء إليه هذا الدين، فحبسه ثلاثة أيام، ففي اليوم الأول قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما عندك يا ثمامة ؟ قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك يا محمد: إن تمنن تمنن على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان في اليوم الثالث قال له مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة" [متفق عليه]. فمنَّ عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأحسن إليه، وكان ثمامة قد تغير في هذه الأيام الثلاثة، فانطلق ثمامة رضي الله عنه ولم يكن قد أسلم عند ذلك، وأبى أن يسلم وهو في الأسر، فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من الإحسان والمن والبر به، من غير فداء، ومن غير قتل، "فانطلق إلى أقرب بستان فيه ماء فاغتسل وعاد إلى المسجد، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: والله يا رسول الله! ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فصار أحب الدين إليَّ، وما كان من وجه أبغض إلي من وجهك، فصار أحب الوجوه إلي، وما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فصارت أحب البلاد إليَّ" [متفق عليه]. انظر كيف يفعل الإسلام بمن يخالفه، فـثمامة لم يكن قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ولا سكن ببلده، ولكن حبس ثلاثة أيام في المسجد، فتغير كل شيء عنده، وصار أحب شيء إليه الإسلام، ووجه النبي عليه الصلاة والسلام، وبلد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إنه اعتمر فقيل له: "صبأت وتابعت محمداً، فقال: بل أسلمت لله عز وجل، ووالله لا تأتيكم حبة من سمراء اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم" [البخاري وسلم]. وكان ثمامة سيد بني حنيفة، فنهى عن بيع القمح وقاطعهم مقاطعة شديدة حتى أكلوا الوبر والعلهز، وحتى أكلوا فضلات الحيوانات وأكلوا الميتة، حتى راسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشدونه الله والرحم أن يأذن لـثمامة في أن يرسل إليهم الميرة من القمح؛ لأنهم قد جاعوا، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالبيع والشراء، وامتنع عندما كانت المصلحة في ذلك. فالعبرة بالمصلحة، فما دام البيع حلالاً، ولم يكن فيه إعانة على معصية فهو جائز، أما إذا كان فيه إعانة على معصية كمن يبيع العنب لمن يتخذه خمرًا، أو يبيع السلاح في الفتنة، أو يبني لهم كنيسةً أو معبداً، أو يؤجر لهم ما يستعملونه في المنكر والعياذ بالله، أو يعينهم على شيء من كفرهم وباطلهم، فإن هذا من المحرمات، قال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان}ِ [المائدة:2]، وربما دخل في الكفر والعياذ بالله إذا كان مقراًً بكفرهم.
إضافة تعليق