أعلان (Banner )
البحث في الموقع
تحميل
أوقات الصلاة في المغرب

أعلان (Banner )
الرئيسية المقالات الدعوة والرد على المخالف التضامن الإسلامي

جديد منتديات مجالس العلم

التضامن الإسلامي

تقييم المستخدم: / 0
سيئجيد 
المقالات - الدعوة والرد على المخالف

الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فلا ريب أن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، كما قال عز و جل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}، و قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} و قد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بهذه العبادة، و بعث الرسل عليهم الصلاة و السلام، و أنزل الكتب، لبيان هذا الحق، و تفصيله، و الدعوة إليه، كما قال عز و جل: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}، و قال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاه}ُ و معنى قضى في هذه الآية: أمر و وصى، و قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}، و قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا}، و قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}، و قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}، و قال تعالى: {هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}.


ففي هذه الآيات الكريمات الأمر بعبادته سبحانه، و التصريح بأنه خلق الثقلين لهذه العبادة، و أرسل الرسل و أنزل الكتب لبيانها، و الدعوة إليها، و حقيقة هذه العبادة: هي طاعة الله و رسوله صلى الله عليه و سلم، بالإخلاص لله في جميع الأعمال، و الامتثال لأوامره، و الحذر من نواهيه، و التعاون في ذلك كله، و توجيه القلوب إليه سبحانه، و سؤاله عز و جل جميع الحاجات عن ذل و خضوع، و إيمان و إخلاص، و صدق و توكل عليه سبحانه، و رغبة و رهبة، مع القيام بالأسباب التي شرعها لعباده، و أمرهم بها، و أباح لهم مباشرتها. و بهذا كله يستقيم أمر الدنيا و الدين و تنتظم مصالح العباد في أمر المعاش و المعاد، و لا صلاح للعباد، و لا راحة لقلوبهم، و لا طمأنينة لضمائرهم، إلا بالإقبال على الله عز و جل، و العبادة له وحده، و التعظيم لحرماته، و الخضوع لأوامره، و الكف عن مناهيه، و التواصي بهم بذلك، و التعاون عليه، و الوقوف عند الحدود التي حد لعباده، كما قال عز و جل: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}.
و من المعلوم أنه لا يتم أمر العباد فيما بينهم، و لا تنتظم مصالحهم و لا تجتمع كلمتهم، و لا يهابهم عدوهم، إلا بالتضامن الإسلامي الذي حقيقته التعاون على البر و التقوى، و التكافل و التعاطف و التناصح، و التواصي بالحق، و الصبر عليه، و لا شك أن هذا من أهم الواجبات الإسلامية، و الفرائض اللازمة، و قد نصت الآيات القرآنية، و الأحاديث النبوية، على أن التضامن الإسلامي بين المسلمين - أفرادا و جماعات، حكومات و شعوبا - من أهم المهمات، و من الواجبات التي لابد منها لصلاح الجميع، و إقامة دينهم و حل مشاكلهم، و توحيد صفوفهم، و جمع كلمتهم ضد عدوهم المشترك.

و النصوص الواردة في هذا الباب من الآيات و الأحاديث كثيرة جدا، و هي و إن لم ترد بلفظ التضامن فقد وردت بمعناه و ما يدل عليه عند أهل العلم، و الأشياء بحقائقها و معانيها لا بألفاظها المجردة، فالتضامن معناه: التعاون و التكاتف، و التكافل و التناصر و التواصي، و ما أدى هذا المعنى من الألفاظ، و يدخل في ذلك الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و الدعوة إلى الله سبحانه، و إرشاد الناس إلى أسباب السعادة و النجاة، و ما فيه إصلاح أمر الدنيا و الآخرة، و يدخل في ذلك تعليم الجاهل، و إغاثة الملهوف، و نصر المظلوم، و رد الظالم عن ظلمه، و إقامة الحدود، و حفظ الأمن، و الأخذ على أيدي المفسدين المخربين، و حماية الطرق بين المسلمين داخلا و خارجا، و توفير المواصلات البرية و البحرية و الجوية، و الاتصالات السلكية و اللا سلكية بينهم، لتحقيق المصالح المشتركة الدينية و الدنيوية، و تسهيل التعاون بين المسلمين في كل ما يحفظ الحق، و يقيم العدل، و ينشر الأمن و السلام في كل مكان.

و يدخل في التضامن أيضاً الإصلاح بن المسلمين، و حل النزاع المسلح بهم، و قتال الطائفة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، عملا بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}، و قوله سبحانه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

ففي هذه الآيات الكريمات، أمر الله المسلمين جميعاً بتقواه سبحانه، و القيام بالإصلاح بينهم عموما، و بالإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين منهم خصوصاً، و قتال الطائفة الباغية، حتى ترجع عن بغيها، و أن يكون الصلح على أسس سليمة قائمة على العدل والإنصاف، لا على الميل والجور، وفيها التصريح بأن المؤمنين جميعاً إخوة وإن اختلفت ألوانهم ولغاتهم، و تناءت ديارهم، فالإسلام يجمعهم و يوحد بينهم، و يوجب عليهم العدل فيما بينهم، و التضافر و الكف عن عدوان بعضهم على بعض، و يوجب على إخوانهم الإصلاح بينهم إذا تنازعوا.

و تدل أيضاً على أن هذا النزاع و القتال بين المؤمنين لا يخرجهم من الإيمان و هو قول أهل السنة و الجماعة، خلافا للخوارج و المعتزلة، و لهذا قال سبحانه:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}، فسماهم مؤمنين مع الاقتتال و هكذا جميع المعاصي لا تخرج المؤمن من دائرة الإيمان ما لم يستحلها، و لكنها تنقص الإيمان و تضعفه. ثم ختم سبحانه هذه الآيات بالأمر بالتقوى، و علق الرحمة على ذلك فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، فدل ذلك على أن تقوى الله في كل الأمور، هي سبب الرحمة و العصمة و النجاة، و صلاح الأحوال الظاهرة و الباطنة.

و يدخل في التضامن أيضاً تبادل التمثيل السياسي، أو ما يقوم مقامه بين الحكومات الإسلامية، لقصد التعاون على الخير، و حل المشاكل التي قد تعرض بينهم بالطرق الشرعية، و اختيار الرجال الأكفاء في عملهم و دينهم و أمانتهم لهذه المهمة العظيمة. و يدخل في التضامن أيضاً توجيه وسائل الإعلام إلى ما فيه مصلحة الجميع، و سعادة الجميع، في أمر الدين و الدنيا، و تطهيرها مما يضاد ذلك، و مما ورد في هذا الأصل الأصيل - و هو التضامن الإسلامي، و التعاون على البر و التقوى - قوله عز و جل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

أمر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة عباده المؤمنين بأن يتقوه حق تقاته، وي ستمروا على ذلك، و يستقيموا عليه حتى يأتيهم الموت و هم على ذلك، و ما ذلك إلا لما في تقوى الله عز و جل من صلاح الظاهر و الباطن، و جمع الكلمة، و توحيد الصف، و إعداد العبد؛ لأن يكون صالحا مصلحا، و هاديا مهديا، باذلا النفع لإخوانه، كافا للأذى عنهم، معينا لهم على كل خير، و لهذا أمر الله المؤمنين بعد ذلك بالاعتصام بحبله، فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعاً وَلا تَفَرَّقُوا} و حبل الله سبحانه هو: دينه الذي أنزل به كتابه الكريم، و بعث به رسوله الأمين، محمداً صلى الله عليه و سلم.

و الاعتصام به: هو التمسك به، و العمل بما فيه، و الدعوة إلى ذلك، و الاجتماع عليه، حتى يكون هدف المسلمين جميعاً، و محورهم الذي عليه المدار، و مركز قوتهم هو اعتصامهم بحبله، و تحاكمهم إليه، و حل مشاكلهم على نوره و هداه، و بذلك تجتمع كلمتهم، ويتحد هدفهم، ويكونون ملجأ لكل مسلم في أطراف الدنيا، وغوثا لكل ملهوف، وقلعة منيعة، و حصنا ضد أعدائهم. و بهذا الاجتماع، و هذا الاتحاد، و هذا التضامن، تعظم هيبتهم في قلوب أعدائهم، و يستحقون النصر و التأييد من الله عز و جل، و يحفظهم سبحانه من مكايد العدو - مهما كانت كثرته - كما وقع ذلك - بالفعل - لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم و صحابته الكرام رضي الله عنهم، و أتباعهم في صدر الأمة، ففتحوا البلاد، و سادوا العباد، و حكموا بالحق، و حقق الله لهم وعده الذي لا يخلف، كما قال عز و جل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} - و قال سبحانه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} و قال تعالى: "وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ وقال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شيئاً " و قال تعالى: " وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط".

ففي هذه الآيات الكريمات حث المسلمين و تشجيعهم على التمسك بدينهم، و القيام بنصره، و ذلك هو نصر الله، فإنه سبحانه و تعالى في غاية الغنى عن عباده، و إنما المراد بنصره هو نصر دينه و شريعته و أوليائه، و الله ناصر من نصره، و خاذل من خذله، و هو القوي العزيز.
وفي هذه الآيات أيضاً البشارة العظيمة بأن الله عز وجل ينصر من نصره، و يستخلفه في الأرض، و يُمَكِّنَ له، و يحفظه من مكايد الأعداء.

فالواجب على المسلمين جميعاً أينما كانوا هو الاعتصام بدين الله، و التمسك به، و التضامن فيما بينهم، و التعاون على البر و التقوى، و مناصحة من وَلّاه الله أمرهم، و الحذر من أسباب الشقاق و الخلاف، و الرجوع في حل المشاكل إلى كتاب ربهم و سنة نبيهم صلى الله عليه و سلم، و التواصي في ذلك بالحق و الصبر عليه، مع الحذر من طاعة النفس و الشيطان، و بذلك يفلحون و ينجحون، و يسلمون من كيد أعدائهم، و يكتب الله لهم العز و النصر، و التمكين في الأرض، و العاقبة الحميدة، و يؤلف بين قلوبهم، و ينزع منها الغل و الشحناء، و ينجيهم من عذابه يوم القيامة، و في هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح: {إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم}.

و مما ورد في التضامن الإسلامي قوله جل و علا: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} و هذه الآية الكريمة من أصرح الآيات في وجوب التضامن الإسلامي، الذي حقيقتُه و معناهُ التعاونُ على البر و التقوى كما سلف بيان ذلك، و فيها تحذير المسلمين من التعاون على الإثم و العدوان لما في ذلك من الفساد الكبير، و العواقب الوخيمة، و التعرض لغضب الله سبحانه، و تسليط الأعداء و تفريق الكلمة، و اختلاف الصفوف، و حصول التنازع المفضي إلى الفشل و الخذلان. نسأل الله العافية من ذلك.

و في قوله سبحانه في ختام الآية: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، تحذير للمسلمين من مخالفة أمره و ارتكاب نهيه، فينزل بهم عقابه، الذي لا طاقة لهم به. و من الآيات الواردة في التضامن أيضاً قوله عز و جل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} و هذه الصفات العظيمة هي جماع الخير، و عنوان السعادة، و سبب صلاح أمر الدنيا و الآخرة، و لهذا علق سبحانه و تعالى رحمتهم على هذه الصفات الجليلة فقال: {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فتبين بذلك أن الرحمة و النصر على العدو، و سلامة العاقبة، كل ذلك مرتب على القيام بحق الله و حق عباده، و لا يتم ذلك إلا بالتناصح و التعاون و التضامن، و الصدق في طلب الآخرة و الرغبة فيما عند الله، و الإنصاف من النفس، و تحري سبيل العدل، و في هذا المعنى يقول الله عز و جل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ويقول عز وجل في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

و في هاتين الآيتين أمر المؤمنين أن يقوموا لله بالقسط، و أن يشهدوا له بذلك في حق العدو و الصديق، و القريب و البعيد، و تحذيرهم من أن يحملهم الهوى أو البغضاء على خلاف العدل، و أوضح سبحانه أن العدل هو أقرب للتقوى، فدل ذلك على أنه لا صلاح للمسلمين فيما بينهم، و لا استقامة، و لا وحدة لكلمتهم، إلا بالعدل و إعطاء كل ذي حق حقه.

نشرت في مجلة التوحيد المصرية ص 15 - 22، و في مجلة البحوث الإسلامية العدد الثالث ص 1052 - 1061 عام 1397 هـ. المجلد الأول، و نشرت في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة العدد الثالث السنة الأولى سنة 1388 هـ.

و مما ورد في وجوب التضامن الإسلامي قول الله عز و جل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا} فأوضح سبحانه في هذه السورة القصيرة العظيمة، أنه لا سبيل إلى النجاح و الربح و العاقبة الحميدة و السلامة من أنواع الخسران إلا بالإيمان و العمل الصالح، و التواصي بالحق و الصبر عليه. و الواقع من حين بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه و سلم إلى يومنا هذا، شاهد و دليل على ما دلت عليه هذه السورة الكريمة.

و لما أخل المسلمون بهذا الأمر العظيم بعد الصدر الأول حصل بينهم من الشحناء و الفرقة و الاختلاف ما لا يخفى على أحد، و لا علاج لذلك و لا دواء له إلا بالرجوع إلى دين الله، و الاعتصام به، و العمل به، و تحكيمه، و التحاكم إليه في كل ما شجر بينهم، كما قال الله عز و جل: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} و قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.

و مما ورد من الأحاديث الشريفة في التضامن الإسلامي الذي هو التعاون على البر و التقوى قول النبي صلى الله عليه و سلم: "الدين النصيحة, قيل لمن يا رسول الله قال: لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين وعامتهم" أخرجه مسلم في صحيحه، و قوله صلى الله عليه و سلم "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه" و قوله صلى الله عليه و سلم "مَثَل المسلمين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى و السهر" أخرجه البخاري و مسلم في صحيحيهما.

فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل دلالة ظاهرة على وجوب التضامن بين المسلمين، و التراحم و التعاطف، و التعاون على كل خير، و في تشبيههم بالبناء الواحد، و الجسد الواحد، ما يدل على أنهم بتضامنهم و تعاونهم و تراحمهم تجتمع كلمتهم، و ينتظم صفهم، و يسلمون من شر عدوهم، و قد قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

و إمام الجميع في هذه الدعوة الخيرة و قدوتهم في هذا السبيل القيم، هو نبيُّهم و سيدهم و قائدُهم الأعظم، نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم، فهو أول من دعا هذه الأمة إلى توحيد ربها، و الاعتصام بحبله، و جمع كلمتها على الحق، و الوقوف صفا واحدا في وجه عدوها المشترك، و في تحقيق مصالحها و قضاياها العادلة، عملا بقوله تعالى خطابا له: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} و قوله عز و جل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} و قد سار على نهجه القويم، صحابته الكرام، و أتباعهم بإحسان رضي الله عنهم و أرضاهم فنجحوا في ذلك غاية النجاح، و حقق الله لهم ما وعدهم به من عزة و كرامة و نصر، كما سبق التنبيه على ذلك و الإشارة إليه في أول الكلمة.

و لا ريب أن الله عز و جل إنما حقق لهم ما تقدمت الإشارة إليه بإيمانهم الصادق، و جهادهم العظيم، و أعمالهم الصالحة، و صبرهم و مصابرتهم، و صدقهم في القول و العمل، و تضامنهم و تكاتفهم في ذلك، لا بأنسابهم و لا بأموالهم، كما قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} و كما قال النبي صلى الله عليه و سلم "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم و لكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم" أخرجه مسلم في صحيحه.

فمن سار على سبيلهم و نهج نهجهم، أعطاه الله كما أعطاهم، و أيده كما أيدهم، فهو القائل عز و جل في كتابه المبين: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ} و هو القائل سبحانه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ وهو القائل عز وجل: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.

و الله عز وجل المسؤول أن يجمع كلمة المسلمين على الهدى، و أن يفقههم في دينه، و أن يصلح ولاة أمرهم، و يهديهم جميعاً صراطه المستقيم، و أن يمنحهم الصدق في التضامن بينهم، و التناصح و التعاون على الخير، و أن يعيذهم من التفرق و الاختلاف، و مضلات الفتن، و أن يحفظهم من مكايد الأعداء، أنه ولي ذلك و القادر عليه، و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى - الجزء الثاني.

مجلس الأسئلة الشرعية وجوب نصرة الشعب السوري

إضافة تعليق


 
جديد تلاوات 1432
الإثنين 11 ربيع الأول 1433 هـ
6 فبراير 2012 م

حسب توقيت المملكة المغربية
تسجيل الدخول






Free PageRank Checker