جديد منتديات مجالس العلم
قاعدة قيام المقتضى وزوال المانع مع عدم الفعل
| المقالات - الدعوة والرد على المخالف |
النفي والإثبات فرع التصور، فلا يجوز نفي أمر أو إثباته إلا بعد تصوره لأنه يكون حينئذ تخرصا أو تقليدا بغير علم، فهذا بيان لها.
أقول وبالله التوفيق:
القاعدة المذكورة آنفا تدخل في قاعدة الترك ولها نظائر والمقصود بالترك: ترك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده ، وهي أصل من الأصول المعتمدة في معرفة البدع وعمل السلف.
حقيقتها:
سنة الترك دليل خاص يقدم على الأدلة العامة.
قال شيخ الإسلام في الاقتضاء(280): "الترك سنة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس". اهـ
الترك بيان لما لم يجر عليه العمل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، وهو سنة مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فالواجب تنزيل الترك منزلة السنة القائمة.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين: "فإن تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق"
وقال ابن السمعاني: "إذا ترك الرسول شيئاً وجب علينا متابعته فيه".
أصلها:
أصل هذه القاعدة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [رواه البخاري ومسلم].
ومن أقوال سلف هذه الأمة كثير منه:
قال حذيفة رضي الله عنه: "كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوا بها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم".
قال سعيد بن جبير: "ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين".
مرد القاعدة:
هذه القاعدة ترجع إلى ما ذكره الشاطبي في الاعتصام(1/363): "السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا إذا وجد المعنى المقتضى له، إجماع من كل ساكت على أن لا زائد على ما كان إذ لو كان ذلك لائقا شرعا أو سائغا لفعلوه فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به".
قلت: وهذا ضابط دقيق في المسكوت عنه وحقيقة مخالفته استدراك على الشرع.
شرطها:
اشترط أهل العلم شرطين للعمل بها:
الأول: قيام المقتضي للفعل أو المظنة:
والمقصود وجود الداعي أو السبب المحوج للفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قيام رمضان، فقد كان المقتضى للخروج إلى الناس قائما، لكنه لم يفعل خوف الافتراض.
أما بعده صلى الله عليه وسلم فلا يعتبر قيام المقتضي بسبب التفريط الذي يقع من الناس مثل تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين.
ودون هذا الأمر يعتبر ما قيل في ترك النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشاطبي في الاعتصام (1/363): "وقد ظهر من العادات الجارية فيما نحن فيه أن ترك الأولين لأمر ما من غير أن يعينوا فيه وجها مع احتماله في الأدلة الجملية ووجود المظنة دليل على أن ذلك الأمر لا يعمل به وأنه إجماع منهم على تركه".
وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل: "واستدلاله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل صحيح إذ يصح أن تتوفر الدواعي على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمر بالتبليغ".
الثاني: انتفاء المانع:
والمقصود ما يمنع من الفعل مع وجود سبب الفعل في زمانه أو زمن الصحابة مثل قيام رمضان، فالمانع الخشية من أن يفرض، وقد زالت بموته صلى الله عليه وسلم، فجمع عمر رضي الله عنه الناس على مقتضى سنته.
ففعل الصحابة رضوان الله عليهم بعد الوفاة دليل على وجود المانع في زمنه صلى الله عليه وسلم.
وهنا مبحث يذكره أهل العلم ليس هذا محلا للنظر فيه وهو: هل يستوي علمنا أو جهلنا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في اعتبار فعل الصحابة؟ الصحيح اعتباره على تفصيل.
إذا علم هذا فالقاعدة لا تجرى إلا بالشرطين، وتكون حينئذ حجة معتبرة، لكن لابد أن نعلم أن مناط القاعدة قيام الشرطين، فغالب خلاف أهل العلم فيهما، فإنهم يختلفون في وجود السبب أو عدمه وفي انتفاء المانع، بل إن ذلك مطية أهل البدع، وما دخلوا إلا منهما.
هذا لنعلم خطورة وجلل الكلام في هذه القاعدة تأصيلا وتفريعا، وأن الأمر ليس مبذولا لجميع الناس بل لأهل العلم خاصة، فالواجب:
أولا: فهم القاعدة فهما سليما
ثانيا: تصور المسألة تصورا معتبرا
ثالثا: نفي أو إثبات الفعل وفق القاعدة.
على ماذا تحمل القاعدة؟
هذه القاعدة شأن نظيراتها من قواعد الترك تحمل على العبادات لأن الإحداث المذموم شرعا لا يكون إلا فيها، فلا يجوز حملها على العادات لتعلقها بمصالح الدنيا، واختلافها وتغيرها زمانا ومكانا.
قال الشاطبي في الاعتصام(1/343): "إن عدوا كل محدث العادات بدعة فليعدوا جميع ما لم يكن فيهم من المآكل والمشارب والملابس والكلام والمسائل النازلة التي لا عهد بها في الزمان الأول بدعا وهذا شنيع فإن من العوائد ما تختلف بحسب الأزمان والأمكنة والاسم فيكون كل من خالف العرب الذين أدركوا الصحابة واعتادوا مثل عوائدهم غير متبعين لهم هذا من المستنكر جدا".اهـ
ووجه ذلك أن: "الأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله".
قلت: فهي على أصلها في الإباحة، فإن أريد بها طاعة الله تعالى صارت عبادة وقربة.
قال الشاطبي في الاعتصام(1/262): "فإن الأصل الشرعي أن كل مطلوب هو من جملة ما يتعبد به إلى الله تعالى ويتقرب به إليه، فالعبادات المحضة ظاهر فيها ذلك والعادات كلها إذا قصدت بها امتثال أمر الله عبادات إلا أنه إذا لم يقصد بها ذلك القصد ويجيء بها نحو الحظ مجردا فإذا ذاك لا تقع متعبدا بها ولا مثابا عليها وإن صح وقوعها شرعا".اهـ
وهنا أحب بيان أمر قد يشكل على بعض الناس وهو عدم حملي القاعدة على العادات، فليعلم أن ذلك مقيد بإرادة التعبد، فالابتداع يقع في العبادة ويقع في العادة بهذا الاعتبار، وقد بين هذا الشاطبي في الاعتصام(1/ 60) فقال: ".. أن الأمور العادية داخلة ضمن الخطاب الشرعي، وضمن المعنى العام للعبادة. ولذلك فإن المباح أحد أقسام الحكم التكليفي، لأنه إنما ثبت كونه مباحاً بالدليل الشرعي. وقد تكرر أن كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع" اهـ.
وقال أيضا في الاعتصام (2/ 570): "أفعال المكلفين إما أن تكون من قبيل التعبديات، وإما أن تكون من قبيل العادات والمعاملات. وقد تقرر بالأدلة الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة تعبدٍ لكونه مقيداً بأوامر الشرع إلزاماً أو تخييراً أو إباحة. وعليه: فالبدع تدخل في الأمور العادية من الوجه العبادي المتعلق بها" اهـ.
وكذلك قرر هذا شيخ الإسلام في الفتاوى(11/ 450 ـ 452): "فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به: وهو: أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحاتٍ. فأما إذا اتخذت واجباتِ والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس في المحرمات منها.
فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع ديناً لم يأذن الله به، ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات والمحرمات ؟ .. وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه، بل يقال أنه جائز.
ولا يفرقون بين اتخاذه ديناً وطاعة وبراً وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة.
ومعلوم ان اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو الاقتصاد، أو بهما، أو بالقول أو بالعمل، أو بهما: من أعظم المحرمات، وأكبر السيئات. وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاصى وسيئات" اه.ـ
وقال ابن الشاط المالكي صاحب التعليقات النفيسة على الفروق(1/ 34): "إذا قصد بالمباحات القوة على الطاعات، أو التوصل إليها كانت عبادة، كالأكل والنوم واكتساب المال" اهـ.
ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه".
قال شيخ الإسلام(11/ 200): "فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها، وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء: فذلك من البدع المذمومة أيضاً"
ومن آثار الصحابة ما أخرجه البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: "دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم. فقال ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة قال لها: تكلمي فهذا لا يحل فهذا من عمل الجاهلية".
قال الشاطبي في الاعتصام(2 534/): "فتأمل كيف جعل القيام في الشمس، وترك الكلام ونذر المشي إلي الشام أو مصر معاصي... مع أنها في أنفسها أشياء مباحات، لكنه لما أجراها لما يتشرع به ويدان الله به صارت عند مالك معاصي لله" اهـ.
وهكذا في كلام كثير لهذين العلمين في بيان هذا الأمر، فما أجمل في قولي السابق:"فهي على أصلها في الإباحة، فإن أريد بها طاعة الله تعالى صارت عبادة وقربة" فصل في اللاحق لإزالة الالتباس، وحتى لا يحمل كلامي على غير وجهه، فليعلم حفظكم الله!.

| < السابق | التالي > |
|---|









