جديد منتديات مجالس العلم
دور المرأة في بناء المجتمع
| المقالات - الدعوة والرد على المخالف |
قال نبيُّنا الكريم صلواتُ الله وسلامُه عليه في خُطْبتِهِ لحجةِ الوداعِ : "تَرَكْتُ فِيْكُمْ مَا إنْ تَمَسَكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِيْ أبَداً، كِتَابُ اللهِ وسُنَّتِيْ".
أي أنَّ هناك مبدأٌ وعقيدةٌ ما إنْ تَمَسَّكَ بهما المجتمعُ الإسلاميُّ فلنْ يَمَسَّهُ الهَوانُ الذي هو فيه الآنَ، ولقد نَظَرَ الأعداءُ إلى تَاريخِ الأُمَّةِ الإسلاميةِ، ودرسوا العواملَ التَّي أَدَتْ إلَىْ قُوَّةِ هذهِ الأُمَّةِ، ولا شَكَّ بأنَّ العاملَ الأسَاسِيَّ هُوَ العَقيدةُ، فَوَجَدُوا أنَّ للمرأةِ المُسلمَةِ دوراً في غرسِ العَقيدةِ في نُفوسِ أبنائِها، فعزَّ عليهم أنْ تجودَ المرأةُ المسلمةُ على أمتِها، كما جادتْ من قبْلُ بالعلماءِ العاملين، والمجاهدين الصادقين، فصارَ هَمُّهم أنْ يَعقمُوها مِنْ أنْ تَلدَ مثلَ عُمرِ بن الخطاب، وخالدِ بن الوليد، وصلاحِ الدين الأيوبي، وعائشةِ بنت الصديق، وأسماءِ ذات النطاقين، والخنساءِ ، ولقد ظلت المرأةُ المسلمةُ طيلةَ القرون الخاليةِ مصونةً متربعةً على عرشها، تهزُّ المهدَ بيمينها، وتُزلزلُ عُروشَ الكفرِ بشمالِها، فراحَ الأعداءُ يَحيكون المُؤامرةَ تلوَ المؤامرةِ ، وينصبون لها الشباكَ، ويحتالون بشتى الحيلِ، إلى أن تَمَّ لهم ما أرادوا، ولم يسحبوا جيوشَهم من بلادِنا، إلاَّ وقد اطمأنوا على أنَّهم خلفوا وراءهم جيشاً أميناً على مأربِهم وأغراضِهم، حفيظاً على عهودهم.
لقد نظرُ الأعداءُ إلى المرأةِ المسلمةِ، فوجدوا أنَّها خَطرٌ وأي خطرٍ، وأنها سلاحٌ لا يوازيه سلاحٌ، ويكفينا أنْ نُلقي نظرةً على سيرةِ الصحابياتِ، والتابعيات، لنرى العجبَ، وإليكم موقفاً من المواقفِ الذي كان له أكبرُ الأثرِ في معركةٍ من أكبرِ المعارك، ففي وقعة اليرموك حمل المسلمون على الرومِ حملة منكرة، ودارت بينهم الحربُ كما تدور الرحى، وتكاثرت جموعُ الروم على ميمنةِ المسلمين، فعادت الخيلُ تنكص بأذانِها راجعةً على أعقابِها، فنظرت النساءُ إلى خيلِ المسلمين وهي منهزمةٌ، فنادى بعضهنَّ بعضاً: يا بناتَ العربِ، دونكن الرجالُ، رُدُّنهُم من الهزيمة حتى يعودوا إلى الحربِ.
قالت سعيدةُ بنتِ عاصم الخولاني: كنتُ في جملةِ النساءِ يومئذ على التل، فلما انكشفت ميمنةُ المسلمين، صاحت بنا عقيرةُ بنت غفار، ونادت: يا نساءَ العرب، دونكن الرجال واحملن أولادكن على أيديكن، واستقبلنهن بالتحريضِ، فأقبلت النسوة يرجمن وجوهَ الخيلِ بالحجارة، وجعلت ابنةُ العاص بن منبه تنادي: قبحَ اللهُ وجهَ رجلٍ ينظر حليلتَه، وجعلت النساءُ يقلن لأزواجهن: لستُم لنا ببعولةٍ إنْ لم تمنعوا عنا هؤلاءِ الأعلاج، فرجعت بفرسان تحرض الفرسان على القتال، فرجع المنهزمون رجعةً عظيمةً عندما سمعوا تحريضَ النساء، وخرجت هندُ بنت عتبة، ومن خلفها نساءُ المهاجرين، ثم استقبلت خيلَ ميمنة المسلمين، فرأتهم منهزمين، فصاحت بهم: إلى أين تنهزمون؟ وإلى أين تفرون؟ من اللهِ ومن جَنَّتِه؟ هو مطلعٌ عليكم، ونظرتْ إلى زوجِها أبي سفيان منهزماً، فضربت وجه حصانه بعمودها وقالت له: إلى أين يا ابن صخر؟ ارجع إلى القتال، ابذل مهجتك حتى تمحص ما سلف من تحريضك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الزبير ابن العوام: فعطف أبو سفيان عندما سمع كلامَ هند، وعطف المسلمون معه، ونظرتُ إلى النساءِ وقد حملن معهم، وقد رأيتهنَّ يسابقن الرجال، وبأيديهن العمدُ، ولقد رأيت منهنَّ امرأةً وقد أقبلت على علجٍ عظيم وهو على فرسه، فتعلقت به، وما زالت به حتى نكبته عن جواده وقَتلتْه، قال الزبير: وحمل المسلمون حملةً منكرةً لا يريدوا غيرَ رضا اللهِ ورسولِه، فانكسرَ الرومُ.
فهذا موقفٌ من مواقف نساء السلف، فشتان بين امرأةٍ تحض الرجالَ هذا الحض على الصمودِ في وجوهِ الأعداءِ، حتى كان النصرُ، وبين امرأةٍ تسعى في هدمِ بنيةِ مجتمعها، وتصغي بآذانِها لأصواتِ دُعاةِ الشيطانِ، الذين يريدون أنْ يقفوا في وجهِ هذا الدينِ، شتان ما بين الفريقين.
لهذا كله نجدُ الأعداءَ فرحوا فرحاً عظيماً بالنَّكسةِ التي أصابتْ المرأةَ المسلمةَ، فهذا الكاتبُ الألماني هلمنس دورفر، في كتابه العبور العظيم والروح الجديدة لمصر، يقول: "لقد عشتُ في القاهرةِ كمراسل صحفي من عام 1956 حتى عام 1961م، ومنذ هذا التاريخ كانت طبيعة عملي وراءَ حضوري إلى المنطقة بين الحين والحين، وكنتُ أفضلُ دائماً الإقامةَ بجوارِ النيلِ، إنَّ التغييرَ الهائل الذي طرأ على القاهرة عاصمة الملايين معروفٌ للجميعِ، فقد انتقلت هذه المدينةُ الضخمةُ مِنَ الطابعِ الشرقي، حيث كانتِ النِّساءُ يرتدين الأحجبة، والرجالُ يرتدون الطربوشَ إلى عاصمةِ كُبرى، ولم تَعُدِ الفتياتُ اللواتي يرتدين البنطلوناتِ والملابسَ العصريةَ يُلفتن نَظرَ أحدٍ، أو يقابلنَّ بدهشةٍ واستغراب، وأصبحتِ العلاقاتُ بين الجنسين علاقةً سويةً، لا تتخللها رواسبُ الجاهلية، التي استمرت فتراتٍ طويلة في الشرق، ويكفي أنْ نَعلمَ أنَّه منذ (20) عاماً فقط كان (90%) من الرجال في القاهرة يرتدون الجلباب، وكانت النساءُ تقريباً يرتدين الحجاب، أما اليوم فإنَّ القاعدة العامة هي ارتداءُ البدل العصريةِ ، وعلى أحدثِ موضةٍ في الغرب، وبالنسبة للنساء فإنَّه حتّى في أكثرِ المناطقِ شعبيةً لم نعد نرى الحجابَ".
لقد فرح هذا الصحافي الألماني بهذا الذي حصل في بلدٍ من بلاد المسلمين، فما ظنكم به إذا حصل في بلدٍ هو قبلة المسلمين؟
"وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء" [سورة النساء: 89].

| < السابق | التالي > |
|---|









