جديد منتديات مجالس العلم
إنَّا مُنينا بِضَبٍّ من بني جُمحٍ
| المقالات - الأخلاق و الآداب |
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.
إخوتي في الله لا يخفى عليكم ما يكنه الأعداء من حقد و حسد و مكر و كيد للإسلام و أهله فهم يمكرون بالليل و النهار {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ }
أما بعد :
أيا هذا هاكها إن جهلتها وعها فعلها تنفعك يوم عودك. فالقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء.
أقول لكم إخوتي على لسان من ذاق مرارتها:
إنَّا مُنينا بِضَبٍّ من بني جُمحٍ ** يرى الخيانة مِثْلَ الماء بالعسَلِ
معنى الخيانة:
الخيانة جنسان: خيانة السر فتلك لا يشعر بها غير الله، والخيانة الظاهرة تنقسم على أقسامٍ: خانت العين بنظر واطلاع، والأذن في إصغاء واستماع، واللسان في قولٍ واختراع، والفم بمأكل مضاع، واليد في اكتساب مال المسياع، والقدم إذا نقلها للإثم ساع. وكل عضوٍ أعانك على الخيانة فقد خان.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوي:
لَفْظُ الْخِيَانَةِ حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا خَفِيَ عَنْ الْمَخُونِ كَاَلَّذِي يَخُونُ أَمَانَتَهُ فَيَخُونُ مَنْ ائْتَمَنَهُ إذَا كَانَ لَا يُشَاهِدُهُ وَلَوْ شَاهَدَهُ لَمَا خَانَهُ . قَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } وَقَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ : { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَامَ : { أَمَا فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إلَى هَذَا فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : هَلَّا أَوْمَضْت إلَيَّ ؟ فَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ } قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا }
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة"
(حسن صحيح سنن النسائي 5469)
و يقول ابن القيم في إغاثة اللهفان : ...و عند العارفين أن تمني الخيانة واشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها فإن تمنيها يشغل القلب بها ويملؤه منها ويجعلها همه ومراده وأنت تجد في الشاهد أن الملك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخدمه من هو متمن لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلىء منها وهو مع ذلك في خدمته وقضاء أشغاله فإذا اطلع على سره وقصد مقته غاية المقت وابغضه وقابله بما يستحقه وكان أبغض إليه...
يقال خانه في العهد، وخانه العهد. وهو شديد الخون والخيانة والمخانة. وتقول: استبدل بالنصح المخانة، وبالستر المجانة، واختان المال، واختان نفسه، وهو خوان، وقوم خونة، وكفاك من الخيانة أن تكون أميناً للخونة، وخوّنه نسبه للخيانة، وكان فلان أميناً فتخوّن.
ومن المجاز: خانه سيفه: نبا عن الضريبة. وقيل في الرمح: أخوك وربما خانك. وخانته رجلاه إذا لم يقدر على المشي.
النفاق و الخيانة واحد:
و الخيانة التفريط في الأمانة و الخيانة والنفاق واحد لكن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة والنفاق اعتبارا بالدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر والاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة.
بعض ماقيل في الخيانة من أشعار:
قال عبد الله بن همام:
أنت امرؤ إما ائتمنتك خالياً ... فخنت وإما قلت قولاً بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
ومما يستحسن لبعض المحدثين في معاتبة بعض ذوي الخيانة من الإخوان:
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما انقضى صرت حرباً عواناً
وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
ونظير هذا قول الشاعر الآخر:
أيا مولاي صرت قذىً لعيني ... وستراً بين جفني والمنام
وكنتَ من الحوادث لي ملاذاً ... فصرت مع الحوادث في نظام
وكنت من المصائب لي عزاءً ... فصرت من المصيبات العظام
وقال ابن الرومي:
اتخذتكم ظهراً وعوناً لتدفعوا ... نبال العدا عني فصرتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير صاحب... على حين خذلان اليمين شمالها
فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي ... فكونوا كفافاً لا عليها ولا لها
قفوا موقف المعذور عني بمعزلٍ ... وخلوا نبالي والعدا ونبالها
قال محمود الوراق في أصحاب الصوف:
تصوَّفَ كَيْ يُقال له أمين ... وما يَعْني التَّصوفَ والأمانَهْ
ولم يُرِد الإله به ولكنْ ... أراد به الطريقَ إلى الخيانهْ
قيل : من ضيع الأمانة ، ورضي الخيانة ، فقد بريء من الديانة .
وقال حكيم : لو علم مضيع الأمانة ، ما في النكث والخيانة ، لقصر عنهما عنانه .
وقالوا : من خان مان ، ومن مان هان ، وتبرأ من الإحسان .
قيل دخل شهر بن حوشب وهو جلة القراء وأصحاب الحديث على معاوية ، وبين يديه خرائط فيها مال ، قد جمعت لتوضع في بيت المال ، فقعد على خريطة منها ، وأخذها ، ومعاوية ينظر إليه ، فلما رفعت الخرائط ، فقد من عددها خريطة ، فأعلم الخازن بذلك معاوية ، فقال : هي محسوبة لك فلا تسأل عن آخذها ، ففيه يقول بعض الشعراء :
لقد باع شهرٌ دينه بخريطةٍ . . . فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ؟
و قال عارف الطائي:
أذل لوطء الناس من خشب الجسر ... إذا استحقبتها العيس جاءت من البعد
أيوعدني والرمح بيني وبينه ... تبين رويداً ما أمامة من هند
ومن أجأ حولي رعان كأنها ... قنابل خيل من كميت ومن ورد
غدرت بأمر كنت أنت اجتذبتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد.
و في الختــام :
و الله وكأن ما قيل، قيل فيك و أنت موقن أنه فيك و تدعي أنه ليس فيك. فكيف لي بتريئتك مما قيل فيك بشهادة و إجماع من وثقوا فيك. و هم ممن خدعوا فيك. و في الختام خذها مني إليك:
ما زالت الأرزاء تلحق بؤسها . . . أبدا بغادر ذمةٍ أو ناكث

| < السابق | التالي > |
|---|









