جديد منتديات مجالس العلم
وقفات مع السيدة مليكة الفاسي - شهادة نحو استقلال كامل
الوقفة الأولى:
في الإشادة و التنويه بالعمل البطولي الذي قامت به السيدة مليكة؛ حيث جعلت كفاح الاحتلال من أولويات حياتها، و انخرطت مع الحرة الوطنية لمقاومته، و قد اضطلعت في ذلك بأعمال و مواقف مشكورة تجعل المغربي المسلم يفخر بروح العزة و الأنفة التي تسري في جسد المرأة المغربية، و تذكرنا السيدة مليكة بمواقف الصحابيات رضي الله عنهن الجبارة في نصرة الدين و الأمة، و هن اللواتي شاركن في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و بعده، و أبلين في ذلك البلاء الحسن؛ من أمثال أم سليم صاحبة الخنجر و أم سلمة و أم حرام التي شاركت في أول غزوة غزاها المسلمون في البحر..
و المرأة المسلمة –في السابق و اللاحق- بهذه المواقف المشرقة تُتْبث بأنها قادرة على الاشتراك في بناء عز الأمة بلبنات صلبة و أعمدة راسخة من البذل و التضحية، و أنها لا تتخلف حين ينادي منادي نصرة قضايا الأمة، و أولها قضية الدين و الهوية التي يناط بها عزنا و يتوقف عليها مجدنا و سؤددنا.
و بهذه المناسبة نجدد التحية المرفوقة بعبارات الإكبار و الافتخار إلى المرأة الفلسطينية المجاهدة المحتسبة.
الوقفة الثانية:
يلاحظ على شهادات السيدة مليكة أنها أغفلت بيانَ دور العلماء في المقاومة الباسلة مع أنهم لعبوا في ذلك دورا جوهريا لا يستهان به، فقد كانوا النواةَ الأولى لذلكم الجهاد و الركنَ المؤسسَ لعملية المقاومة التي أشعلوا فتيل نارها التي اقتبس منها من جاء بعدهم، و حمل شُعلتها الذين تتلمذوا على أيديهم؛ و إذا كان الأستاذ علال الفاسي رحمه الله من أبرز حملة ذلكم المشعل، فإنه قد شهد بالحقيقة المتقدمة حين أكد دور العلماء السلفيين في هذا الباب؛ قال في كتابه "الحركات الاستقلالية في المغرب": " و هذه الحقيقة تقتضي منا إعطاء كل ذي حق حقه و إنزال الناس منازلَهم و صيانةَ المشهد الإعلامي المغربي من محاولات تغييب دور العلماء و إسهاماتهم الجبارة في الدفاع عن الوطن و بناء صرح الإصلاح و التنمية".
الوقفة الثالثة:
يلاحظ كذلك على الأستاذة مليكة كلام عن حجاب المرأة يوحي بأنه عادةٌ مغربية كانت مناسبة للمرأة في ظروف الاستعمار التي كانت تحوج المقاومات إلى التستر و الاختفاء؛ و أن بإمكانها ترك الالتزام به متى ما تغيرت الظروف و تبدلت الأحوال..!
و الحق أن حجاب المرأة واجب شرعي و أدب مرعي أَمرت به آي الكتاب العزيز و أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم، كقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ"، و قول النبي صلى الله عليه و سلم: "إنْ المرأة حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا هذين، و أشار إلى وجهه و كفيه" رواه أبو داود و صححه الأباني، و هو حُكم مجمعٌ عليه بين العلماء..، فاقتضى الأمرُ التنبيهَ، و استوجبََ المقامُ التوضيحَ حتى لا نقع في فخ نصبه المحتل، و لا نسقط ضحية لُغم زرعه قبل أن يخرج بجحافله العسكرية؛ ذلكم الفخ: هو فصل الأمة المغربية عن هويتها باستدراجها إلى التخلي عن أحكام دينها شيئا فشيئا، فيجردها عن هويتها ليسهل التحكم في شؤونها و قضاياها، الشيء الذي يمثل احتلالا لا يقل خطورة عن استعمار النار و السلاح..
و ليت شعري كيف نفرح باستقلال جغرافي و عسكري، إذا كنا أرقاء سلبوا مقومات هويتهم و مقتضيات انتمائهم، و على رأسها أحكام دينهم و آدابه؟!
و قد أجمع العقلاء على أن الاستيلاء على القلوب و الفكر أخطر من الاستيلاء على الأرض و الوطن فإن هذا الأخير يُنتِج عداوةً و مقاومةً، بينما يورث الأول ذلا و هوانا يؤدي إلى ذوبان الشخصية و انغماس الهوية..
و لعل التنبيه على هذه المعاني الجليلة هو أجلُّ ما يمكن أن نهديه لأبطال المقاومة المعتزين بها صدقا و حقا، من أجل استكمال المشوار و الاستمرار في طريق التحرر من أغلال الاستعمار، و بناء الأمة المغربية الحديثة الأصيلة العتيدة..










